مخابر تحاليل صحة النباتات: بين محدودية الربحية وأهميتها الاستراتيجية في المنظومة الزراعية
يُنظر إلى مخابر تحاليل صحة النباتات غالبًا كأداة علمية لتشخيص الأمراض النباتية وتحديد مسبباتها، غير أن واقع استعمالها في الميدان يبيّن وجود فجوة واضحة بين الدور النظري للمخبر ومتطلبات العمل الزراعي اليومية. هذه الفجوة جعلت الكثيرين يشككون في جدواها الاقتصادية المباشرة، رغم أهميتها التقنية والعلمية على المدى المتوسط والطويل.
أحد أبرز التحديات يتمثل في ضعف ثقة المنتج الزراعي في التشخيص المخبري، خاصة في ظل تكرار نفس الأمراض وتطابق أعراضها من موسم لآخر. في نظره، الأعراض معروفة، والحلول مجرَّبة، واللجوء إلى التحليل المخبري لا يضيف قيمة فورية مقارنة بالتدخل العلاجي السريع.
هذا التصور تعززه الممارسات الشائعة القائمة على استعمال مبيدات ذات طيف واسع قادرة على التحكم في عدة أمراض في آن واحد، دون الحاجة إلى تحديد دقيق للمسبب المرضي.
كما أن إجراءات أخذ العيّنات ونقلها تشكل عائقًا إضافيًا. فسلامة العيّنة، طريقة اقتطاعها، ظروف حفظها، والمدة الزمنية الفاصلة بين أخذها وتحليلها، كلها عوامل حاسمة في دقة النتائج. أي خلل في هذه السلسلة قد يؤدي إلى تشخيص غير دقيق، ما يضعف ثقة المتعاملين في نتائج المخبر ويجعلهم يفضلون التشخيص الميداني المباشر.
العامل الزمني بدوره يلعب دورًا حاسمًا. فالأمراض النباتية تتطور بسرعة، بينما تتطلب التحاليل المخبرية وقتًا تقنيًا لا يتماشى دائمًا مع وتيرة تطور المرض. في كثير من الحالات، تصدر النتائج بعد أن يكون المرض قد اختفى بفعل معالجة عامة، أو تطور إلى مرحلة متقدمة، مما يفقد التحليل قيمته التطبيقية الفورية.
من الناحية الاقتصادية، لا يظهر العائد المباشر للتحليل المخبري بوضوح. إذ يجد المنتج نفسه أمام تكلفة إضافية دون ضمان ملموس للربح، خاصة عندما تكون الحلول العلاجية المتوفرة قادرة على الحد من الضرر دون تشخيص دقيق. هذا الواقع يجعل المخبر، بصيغته التقليدية القائمة على “التشخيص فقط”، نشاطًا محدود الربحية.
ورغم ذلك، فإن الدور الحقيقي والاستراتيجي للمخبر يتجاوز التشخيص الآني. فالمخابر تلعب دورًا محوريًا في متابعة تطور الأمراض بعد المعالجة، وتحليل أسباب فشل بعض المبيدات، ما يسمح بالكشف المبكر عن ظاهرة مقاومة المسببات المرضية للمبيدات.
هذا الدور أساسي لتوجيه استعمال مواد فعالة بديلة أو أقوى، وتفادي الوقوع في فخ الاستعمال المتكرر لنفس المواد وما يترتب عنه من خسائر تقنية واقتصادية.
كما تحتل المخابر مكانة أساسية في مراقبة نوعية البذور والشتائل، من خلال الكشف عن الأمراض المحمولة بالبذور، أو العدوى الكامنة غير الظاهرة في المراحل الأولى. هذه المراقبة تشكل خط الدفاع الأول ضد انتشار الأمراض داخل الحقول، وتساهم في تحسين الإنتاجية واستدامة الأنظمة الزراعية.
إضافة إلى ذلك، تلعب مخابر التحاليل دورًا بالغ الأهمية في الكشف عن بقايا المبيدات والمواد الكيميائية في المحاصيل الزراعية. هذا الجانب لا يرتبط فقط بالإنتاج، بل يمس بشكل مباشر صحة المستهلك واحترام الحدود القصوى المسموح بها من المتبقيات.
كما يُعد هذا النوع من التحاليل شرطًا أساسيًا لتوجيه المنتجات نحو أسواق التصدير، وفق النظم والمعايير المعمول بها دوليًا.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن مخابر تحاليل صحة النباتات ليست مشروعًا ربحيًا تقليديًا، بل أداة تنظيم وضبط وجودة داخل منظومة إنتاجية أوسع. قيمتها الحقيقية تظهر عندما تكون جزءًا من نظام متكامل يشمل المرافقة التقنية، التتبع الصحي للمحاصيل، ضمان الجودة، وحماية المستهلك.
في الختام، يبقى مستقبل هذه المخابر مرتبطًا بقدرتها على التحول من دور تشخيصي محدود إلى دور استراتيجي شامل، يوازن بين متطلبات السرعة في الميدان، والدقة العلمية، وحماية الإنتاج والمستهلك على حد سواء.

